محمد بن وليد الطرطوشي

404

سراج الملوك

وروى أبو داود في السنن ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » « 1 » اقتضى الحديث : أن كل نبي مبعوث إلى أمة إنما بعث ليعلّم الخلق حسن الخلق ، وأن نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، فإذن حسن الخلق امتثال الشرائع بأسرها . وروى البخاري عن ابن عمرو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا ، قال : « وإن من أحبكم إلىّ أحسنكم أخلاقا » « 2 » . « وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم في بعض أسفاره ، وعليه رداء نجرانيّ غليظ الحاشية ، فجبذه أعرابي جبذة « 3 » شديدة ، حتى أثرت حاشية الرداء على عنقه ، وقال يا محمد : مر لي من مال اللّه الذي أتاك ، فلست تأمر لي بمالك ولا بمال أبيك ، فالتفت إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : « مروا له ولم يكلمة بشيء » « 3 » ، وروى معاذ بن جبل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال له : « أحسن خلقك للناس ، يا معاذ بن جبل » « 4 » . واعلموا : أن الخلق الحسن أفضل مناقب العبد ، وبه يظهر جواهر الرجال ، والإنسان مستور بخلقه مشهور بخلقه ، ألا ترى أن اللّه تعالى خص نبيه ، صلى اللّه عليه وسلم ، بما خصه به من الفضائل ، ثم لم يثن عليه بشيء من خصاله ، بمثل ما أثنى عليه بخلقه . وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 9 ] قال : لا تخاصم ولا تخاصم من شدة معرفتك بالله تعالى ، وقيل : لم يؤثر فيك جفاء الخلق بعد معرفتك بالحق . وقال المحاسبي « 5 » : كظم الغيظ وإظهار الطلاقة والبشر ، إلّا لمبتدع أو

--> ( 1 ) الحديث : رواه الإمام مالك في الموطأ في باب ما جاء في حسن الخلق . قال ابن الأثير الجزري : إسناده منقطع ولكن للحديث شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن [ جامع الأصول - ابن الأثير الجزري - ج 4 / ص 4 ) . ( 2 ) الحديث : رواه البخاري عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، كتاب الآداب باب لم يكن رسول اللّه فاحشا ولا متفحشا . ورواه مسلم والترمذي والحديث صحيح ، ومعنى متفحشا : أي يتعمد ويتكلف الفحش ( جامع الأصول ج 4 / 8 ) . ( 3 ) جبذ وجذب بمعنى واحد ، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك 3 / 224 بلفظ : « فتبسم له ثم قال : مروا له » ورواه ابن جرير ( كنز العمال رقم 18651 ) . ( 4 ) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في حسن الخلق بغير إسناد قال الزرقاني له شواهد منها ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما بإسناد حسن عن معاذ ، قال ابن الجزري : قلت فالحديث حسن بطرقه وشواهده التي تشهد له بالمعنى ( جامع الأصول - ابن الأثير الجزري - ج 4 / 3 ، 4 ) . ( 5 ) المحاسبي : هو الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد اللّه ، من كبار الصوفية ، له تصانيف في الزهد والرد على المعتزلة ولد ونشأ بالبصرة ومات ببغداد سنة 243 ه . ( الأعلام 2 / 153 ) .